اريخ النشر: 2026-09-04
تاريخ التحديث: 2026-09-04
عُقد ملتقى جاكسون هول للسياسة الاقتصادية لعام 2026 في الفترة من 27 إلى 29 أغسطس، وجمع محافظي البنوك المركزية والاقتصاديين وصناع السياسات، تحت عنوان «الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسات».

يوضح هذا المقال ما كشفه ملتقى جاكسون هول بشأن مسار أسعار الفائدة الأمريكية، والطريقة التي يعتزم بها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش التواصل مع الأسواق. كما يتناول كيف يمكن للذكاء الاصطناعي (AI) والعملات المستقرة (stablecoins) والتمويل القائم على الترميز (tokenisation) أن تؤثر في النمو الاقتصادي والنظام المالي.
يستضيف بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي هذا الملتقى سنويًا منذ عام 1978، ويوفر لمحافظي البنوك المركزية والاقتصاديين منصة لمناقشة القضايا الاقتصادية التي قد تؤثر في السياسة النقدية.
لا يُعد ملتقى جاكسون هول اجتماعًا للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC)، لذلك لا يصوّت المسؤولون فيه على أسعار الفائدة الأمريكية. ومع ذلك، يتابع المتداولون هذا الحدث عن كثب لأن رؤساء الفيدرالي يستخدمونه أحيانًا لعرض نظرتهم للاقتصاد أو توجهاتهم في السياسة النقدية، وقد تغيّر هذه التصريحات توقعات الأسواق بشأن الاجتماعات المقبلة وتحرك عوائد السندات والعملات والأسهم والسلع.
دخل الفيدرالي ملتقى جاكسون هول وسعر الفائدة الرئيسي، المعروف باسم سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، عند نطاق مستهدف يتراوح بين 3.5% و3.75%. وفي اجتماعه في يوليو، أيّد ثلاثة من الأعضاء الـ12 الذين يحق لهم التصويت رفع الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية.
ووصف وارش الاقتصاد الأمريكي بأنه يتمتع بمرونة، مع نمو قوي في الناتج واستقرار في سوق العمل، إذ بلغ معدل البطالة 4.1%، بينما واصل الإنفاق الاستثماري للشركات والإنفاق الاستهلاكي ارتفاعهما. ورأى وارش أن الأوضاع المالية ليست تقييدية إلى حد كبير.
أما التضخم فروى قصة مختلفة؛ إذ بلغ التغير على أساس سنوي في مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي (PCE)، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي، نسبة 3.7%، في حين بلغ المعدل على أساس ستة أشهر محسوبًا سنويًا 4.1%. وجاء الرقمان أعلى بكثير من هدف الفيدرالي البالغ 2%.
وجاءت بعض بيانات التضخم خلال فصل الصيف أفضل من المتوقع، لكن وارش أشار إلى أن الاتجاه الأساسي للتضخم لم يتحسن بشكل ملموس. وكان المعيار الذي وضعه هو ما إذا كان التضخم يتجه نحو مستوى 2% بوضوح وبالسرعة الكافية؛ فإن لم يكن الأمر كذلك، فإنه يرى أن أمام الفيدرالي مزيدًا من العمل.
وهو ما يعني أن احتمال رفع الفائدة سيظل قائمًا في حال بقي التضخم مرتفعًا.
وفي 28 أغسطس، أظهرت تسعيرة أسواق العقود الآجلة ارتفاع احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر من 35% إلى 58%. وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، وهو الأكثر حساسية لتوقعات سياسة الفيدرالي، من 4.22% إلى 4.35%. وأغلق مؤشر S&P 500 منخفضًا بنسبة 0.2%، بينما تراجع مؤشر ناسداك ذو الثقل التكنولوجي بنسبة 0.5%.
وتعكس هذه التحركات تغيرًا في التوقعات، وليس قرارًا فعليًا بشأن أسعار الفائدة. فارتفاع توقعات رفع الفائدة يميل إلى دفع عوائد سندات الخزانة قصيرة الأجل والدولار الأمريكي إلى الصعود، وقد يضغط على الذهب وأسهم النمو، وإن كانت الأوضاع الاقتصادية ومعنويات المخاطرة تؤثر أيضًا في هذه الأسعار.
كما شكّك وارش في الطريقة التي يتواصل بها الفيدرالي مع الأسواق المالية، مركزًا على ما يُعرف بالتوجيه المسبق (forward guidance)، وهو الإشارات التي يصدرها البنك المركزي بشأن الاتجاه المرجح لسياسته المستقبلية.
وانتشر استخدام هذه الأداة بشكل واسع خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين كانت أسعار الفائدة قريبة من الصفر. ويرى وارش أن الإفراط في استخدامها أصبح مشكلة منذ ذلك الحين، إذ يمكن للإشارات المبكرة أن تُقيّد خيارات الفيدرالي إذا تغيّر الاقتصاد، وأن تدفع الأسواق إلى الاعتماد بإفراط على توقعاته.
ودعا وارش إلى «فيدرالي أكثر هدوءًا» يتجنب الالتزام المبكر بمسارات محددة. وسيظل الفيدرالي يشرح قراراته وتقييمه للاقتصاد، لكنه سيكون أقل استعدادًا للإشارة إلى مسار أسعار الفائدة مسبقًا.
ويكمن جوهر قلق وارش في حلقة مفرغة؛ إذ تسترشد الأسواق بتوجيهات الفيدرالي، بينما يستخدم الفيدرالي أسعار الأسواق لتقييم الأوضاع الاقتصادية. وإذا استمر كل طرف في قراءة الآخر، فقد تعزز الأسعار افتراضًا قائمًا بدلًا من أن تعكس معلومات اقتصادية جديدة، وهو ما وصفه وارش بمشكلة «قاعة المرايا».
وبالنسبة إلى المتداولين، قد يجعل هذا التوجه توقع قرارات الفائدة المستقبلية من خلال الخطابات وحدها أمرًا أكثر صعوبة، وتصبح البيانات الاقتصادية والأوضاع المالية الأوسع أكثر تأثيرًا، خصوصًا حين تبدأ عدة مؤشرات بالإشارة في الاتجاه ذاته.
برز موضوع الذكاء الاصطناعي في الملتقى عبر نقاشين منفصلين، ركّز وارش في أحدهما على تأثيره المحتمل في النمو الاقتصادي.
وقدّر أن المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مثّلت أكثر من نصف نمو الإنفاق الاستثماري للشركات الأمريكية هذا العام، بما يشمل الإنفاق على مراكز البيانات وأشباه الموصلات والطاقة والبنية التحتية السحابية.
أما السؤال الأهم على المدى الأطول فهو ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستُترجم إلى ارتفاع مستدام في الإنتاجية، التي تزداد حين تنتج الشركات مخرجات أكبر باستخدام القدر نفسه من العمالة والمعدات. وقد يدعم تسارع نمو الإنتاجية التوسع الاقتصادي من دون توليد الدرجة نفسها من الضغوط التضخمية.
ويظل توقيت ذلك غير مؤكد، وكذلك تأثيره في التوظيف وأرباح الشركات. وأوضح وارش أيضًا أن أبحاث الفيدرالي طويلة المدى حول الذكاء الاصطناعي والإنتاجية لن تحدد قراراته الفورية بشأن أسعار الفائدة.
وتناولت ورقة بحثية للاقتصادي في جامعة برينستون ماركوس برونرماير خطرًا مستقبليًا مختلفًا، مفاده أن وكلاء الذكاء الاصطناعي المتقدمين قد يتخذون قرارات تداول يصعب على البشر تفسيرها بشكل كامل، حتى عندما يفهم هؤلاء الوكلاء كيف يُرجَّح أن يستجيب الأفراد وصناع السياسات.
وتستخدم البنوك المركزية أسعار الأصول وأحجام التداول وتحركات العملات كمؤشرات على الأوضاع الاقتصادية. وقد تفقد هذه المؤشرات جزءًا من فائدتها إذا جعل النشاط المدفوع بالذكاء الاصطناعي تفسير تحركات الأسعار أكثر صعوبة. وإذا أحجم المتداولون البشريون أيضًا عن التداول في مواجهة أنظمة ذكاء اصطناعي غير مألوفة، فقد يقل عدد المشترين والبائعين المستعدين للتدخل، ما يؤدي إلى تحركات أسعار أكثر حدة.
وهذا سيناريو مستقبلي سلبي محتمل، وليس وصفًا لكيفية عمل الأسواق المالية في الوقت الحالي.
العملة المستقرة (stablecoin) هي رمز رقمي مصمم للحفاظ على قيمة ثابتة مقابل أصل آخر، غالبًا الدولار الأمريكي. أما الترميز (tokenisation) فيعني وضع الأموال أو الأوراق المالية أو أصول أخرى على سجل رقمي، بما يتيح تحويلها وتسويتها إلكترونيًا.
وخلصت ورقة بحثية عُرضت في الملتقى إلى أن الدولار لا يزال مهيمنًا في المدفوعات العابرة للحدود وتداول العملات الأجنبية والديون الدولية، ورأت أن الابتكار المالي قد يعزز هذه المكانة بدلًا من أن يُنتج بديلًا موازيًا لها.
ويمكن للعملات المستقرة المدعومة بالدولار أن تُسهّل الحصول على الأصول المرتبطة به وتحويلها، إذ يستطيع الأفراد خارج الولايات المتحدة استخدامها للاحتفاظ بمطالبات رقمية مرتبطة بالدولار وإرسالها من دون الاعتماد على القنوات ذاتها المستخدمة في التحويلات المصرفية الدولية التقليدية.
وتحتفظ الجهات المصدرة للعملات المستقرة عادةً بنقد وأوراق مالية تتيح للمستخدمين استرداد رموزهم. وحين تتضمن هذه الاحتياطيات سندات خزانة أمريكية قصيرة الأجل، فإن اتساع استخدام العملات المستقرة قد يزيد الطلب على أذون الخزانة، وهو ما يربط المدفوعات الرقمية بأسواق سندات الحكومة وتكاليف الاقتراض الأمريكي قصير الأجل.
وتتوقف النتيجة النهائية على التنظيم، ومستوى الثقة في الجهات المصدرة، وطبيعة الأصول المحتفظ بها كاحتياطي، وتطور أنظمة الدفع المنافسة. وهذا اتجاه محتمل حددته الورقة البحثية، وليس توقعًا متفقًا عليه بين المشاركين في الملتقى.
يمكن للعملات المستقرة أن تحوّل الأموال بعيدًا عن الودائع المصرفية التقليدية، بما يؤثر في الطريقة التي تموّل بها البنوك عمليات الإقراض.
وتستخدم البنوك ودائع العملاء للمساعدة في تمويل القروض، ويتوقف تأثير نمو العملات المستقرة جزئيًا على طبيعة الاحتياطيات التي تحتفظ بها الجهات المصدرة. فإذا حلّت ودائع كبيرة من شركات العملات المستقرة محل الودائع الاعتيادية للعملاء، فقد يصبح تمويل البنوك أكثر حساسية لأسعار الفائدة. وإذا خرجت الأموال من بنوك بعينها، فقد تصبح أكثر اعتمادًا على التمويل من المؤسسات المالية والأسواق.
وقد تدفع تكاليف التمويل الأعلى البنوك إلى رفع أسعار الإقراض أو التشدد في اختيار القروض التي تمنحها. ويمثل فقدان الثقة المفاجئ خطرًا إضافيًا؛ فإذا حاول عدد كبير من المستخدمين استرداد عملاتهم المستقرة في الوقت نفسه، قد تضطر الجهات المصدرة إلى بيع أوراق مالية أو سحب ودائع مصرفية بسرعة، ما ينقل الضغط إلى أسواق التمويل قصيرة الأجل والنظام المصرفي.
وأثار صندوق النقد الدولي (IMF) مخاوف ذات صلة تخص الاقتصادات الناشئة، إذ يمكن للعملات المستقرة المدعومة بالدولار أن تشجع الأفراد على استبدال جزء من حيازاتهم بالعملة المحلية بدولارات رقمية، وهو ما قد يُضعف تأثير سياسة أسعار الفائدة المحلية ويجعل حركة الأموال عبر الحدود أسرع وأصعب في الإدارة.
ولا يزال حجم التمويل القائم على الترميز نفسه صغيرًا؛ إذ قدّرت ورقة بحثية لأستاذ جامعة ستانفورد داريل دوفي أن أقل من 0.05% من سندات الخزانة الأمريكية القائمة محتفظ بها في صورة مرمّزة. لذلك، فإن السؤال الملح ليس ما إذا كان الترميز سيحل محل الأسواق القائمة، بل ما البنية التحتية التي يحتاجها قبل أن يتمكن من التوسع بأمان.
وصُممت الأنظمة المرمّزة لتتيح تداول الأصول وتسويتها على مدار الساعة، لكن كل معاملة تظل ذات جانبين: يجب أن يصل الأصل إلى المشتري، وأن تصل الدفعة إلى البائع. ويرى دوفي أن الأسواق العاملة على نطاق واسع جدًا تحتاج إلى أموال البنك المركزي، أو أصل آمن مماثل، لإتمام جانب الدفع.
وتمثل الودائع المصرفية المرمّزة أحد المسارات الممكنة، وهي ودائع مصرفية تقليدية موضوعة على منصات رقمية قابلة للبرمجة، تظل مرتبطة ببنوك خاضعة للتنظيم وتتيح إتمام المدفوعات بين البنوك باستخدام أموال البنك المركزي.
وقدّم المدير العام لبنك التسويات الدولية بابلو هرنانديز دي كوس الودائع المرمّزة باعتبارها أساسًا أكثر مصداقية للمدفوعات اليومية مقارنة بالعملات المستقرة في شكلها الحالي. كما رأت إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، أن أموال البنك المركزي ينبغي أن تكون متاحة على السجلات الرقمية لضمان تسوية المعاملات المرمّزة بأمان.
من المقرر أن يُعقد الاجتماع المقبل للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) في الفترة من 15 إلى 16 سبتمبر 2026. وقبل ذلك الموعد، يمكن للمتداولين متابعة المحاور التالية:
| المحور | ما الذي يجب متابعته | ما الذي قد يشير إليه |
|---|---|---|
| سياسة الفيدرالي | تضخم مؤشر PCE، تضخم مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، بيانات التوظيف، ومعدل البطالة | ما إذا كان التضخم يتراجع من دون تدهور حاد في سوق العمل |
| توقعات الأسواق | عائد سندات الخزانة لأجل عامين والدولار الأمريكي | كيفية تغيّر توقعات أسعار الفائدة |
| الاستثمار في الذكاء الاصطناعي | الإنتاجية، الإنفاق الاستثماري للشركات، وأرباح الشركات | ما إذا كان الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد اقتصادية ومالية |
| العملات المستقرة | قواعد الاحتياطيات، الودائع المصرفية، وحيازات أذون الخزانة | كيف يؤثر نمو العملات المستقرة في تمويل البنوك والطلب على سندات الخزانة |
| التمويل القائم على الترميز | مشاريع التسوية الخاصة بالبنوك المركزية والروابط بين أنظمة الدفع الجديدة والقائمة | ما إذا كانت الأسواق المرمّزة تقترب من الاستخدام الأوسع |
وقد تشير المؤشرات الفردية إلى اتجاهات متباينة، لكن التغير الأوسع والأكثر اتساقًا عبر عدة محاور يوفر عادةً إشارة أقوى من تقرير اقتصادي واحد أو تحرك سوقي منفرد.
أظهر رد فعل الأسواق على ملتقى جاكسون هول مدى سرعة تأثير توقعات أسعار الفائدة في الأسهم الأمريكية وصناديق ETF. وحتى 31 ديسمبر 2026، تقدّم EBC عمولة صفرية ورسوم تبييت صفرية (Swap) على هذه الأسواق، وفقًا للشروط والتوافر الإقليمي. وتظل فروق الأسعار ومخاطر التداول قائمة.
منح ملتقى جاكسون هول المتداولين معيارًا أوضح لمسار أسعار الفائدة الأمريكية: يجب أن يتجه التضخم نحو 2% بوضوح وبالسرعة الكافية، وإلا فقد يلجأ الفيدرالي إلى رفع الفائدة. وأظهر النقاش الأوسع أن الذكاء الاصطناعي والتمويل القائم على الترميز باتا جزءًا من تخطيط البنوك المركزية، وإن كان قياس تأثيرهما الاقتصادي سيحتاج إلى مزيد من الوقت.