2025-08-29
في عالم المال، حيث غالبًا ما تُشكّل الرسوم البيانية والأرقام والخوارزميات محور الاهتمام، برز مارك دوغلاس كصوتٍ حوّل التركيز إلى الداخل - نحو العقل البشري. وُلد دوغلاس عام ١٩٤٨، واشتهر على نطاق واسع بأنه أبو علم نفس التداول، ومرشدٌ ساعد آلاف المتداولين على فهم أن النجاح في الأسواق لا يقتصر على الاستراتيجيات أو الأنظمة فحسب، بل يتعلق أيضًا بعقلية التعامل مع المخاطر وعدم اليقين. ولا يزال كتاباه الأكثر مبيعًا، "المتداول المنضبط" (١٩٩٠) و"التداول في المنطقة" (٢٠٠٠)، من أهم كتب التداول، يقرأهما ويعيد قراءتهما المتداولون المبتدئون والمحترفون المتمرسون على حدٍ سواء.
كانت رسالة دوغلاس بسيطة لكنها ثورية: التداول لعبة احتمالات، والسيطرة الحقيقية الوحيدة للمتداول هي على عقله. كرَّس حياته لتعليم الآخرين كيفية التفكير في الاحتمالات، والتحرر من الخوف، وتحقيق الثبات من خلال الانضباط.
بدأت مسيرة مارك دوغلاس المهنية خارج أسواق المال. درس التواصل الشخصي والعلوم السياسية في جامعة ولاية ميشيغان، وعمل لاحقًا في قطاع التأمين. لم يغامر بدخول عالم التداول إلا عام ١٩٧٨، حيث عمل في ميريل لينش بشيكاغو. ومثل العديد من المتداولين الجدد، انجذب إلى حماس الأسواق المالية، لكنه سرعان ما واجه الواقع القاسي المتمثل في التذبذب والضغط النفسي والفشل المتكرر.
كانت معاناته الشخصية مع خسائر التداول نقطة تحول. فبدلاً من الانسحاب، سعى دوغلاس لفهم سبب فشل المتداولين الأذكياء والمستعدين جيدًا في كثير من الأحيان. أدرك أن المشكلة نادرًا ما تكمن في السوق نفسه، ولا حتى في الاستراتيجية، بل في الاستجابة النفسية للمتداول للشكوك والخسارة. ألهمه هذا الإدراك لتأسيس شركة Trading Behaviour Dynamics, Inc.، حيث بدأ بتدريب المتداولين وصناديق التحوط والمكاتب المؤسسية، مُعلّمًا أن علم النفس هو المفتاح الخفي.
يكمن جوهر تعاليم دوغلاس في مبدأ أن الأسواق غير مؤكدة، وأن كل صفقة تحمل نتائج عشوائية. إن محاولة التنبؤ بيقين ليست عقيمة فحسب، بل خطيرة أيضًا، لأنها تُغذي الثقة المفرطة أو الخوف. بدلًا من ذلك، يجب على المتداولين تبني عقلية احتمالية، مُدركين أن "أي شيء وارد".
ثلاثة أعمدة تحدد فلسفته:
التفكير بالاحتمالات: ينبغي على المتداولين تقبّل أن أي صفقة هي مجرد حدث واحد ضمن سلسلة. النجاح يأتي من التنفيذ المتواصل، وليس من التنبؤ الدقيق.
الانضباط والتحكم في المشاعر: لا يعني النجاح في الأسواق تجنب الخسائر، بل إدارتها دون خوف أو تردد. فالعقلية المنضبطة تُمكّن المتداولين من التصرف بموضوعية بدلاً من الانفعال.
التجرد من النتائج: بقبول المخاطرة بصدق، يستطيع المتداولون التحرر من تقلبات الربح والخسارة العاطفية. علّم دوغلاس أن على المتداول أن يهتم باتباع خطته أكثر من اهتمامه بنتيجة أي صفقة فردية.
لقد أصبح هذا الإطار النفسي بمثابة شريان حياة لعدد لا يحصى من المتداولين الذين وجدوا أنفسهم يكررون دورات الأمل والخوف والندم.
اتسع تأثير دوغلاس عالميًا من خلال كتاباته. كان كتابه الأول، "المتداول المنضبط"، الصادر عام ١٩٩٠، من أوائل الأعمال التي تناولت سيكولوجية التداول المباشر. وسرعان ما نال الكتاب تقديرًا واسعًا لكشفه عن المخاطر النفسية التي تُقوّض حتى أفضل الاستراتيجيات.
بعد عقد من الزمان، رسّخ كتابه الثاني، "التداول في المنطقة"، مكانته كخبير رائد. ولا يزال الكتاب من أكثر الكتب الموصى بها بين المتداولين المحترفين والمؤسسات ومعلمي التداول. وضوحه وتركيزه على العقلية بدلاً من المنهجية يُميّزانه عن الأدلة الفنية، مُزوّدًا المتداولين بإطار فكري متين لتحقيق النجاح على المدى الطويل.
بالإضافة إلى الكتب، عمل دوغلاس مباشرةً مع مؤسسات مالية مثل مجلس شيكاغو للتجارة، وسيتي بنك، ودويتشه بنك. صمّم ندوات وبرامج تدريبية، موجهًا المحترفين للتغلب على العوائق النفسية. وقد أكسبته جهوده تقديرًا واسعًا في هذا المجال، بما في ذلك جوائز "الثور/الدب" لمساهمته في تعليم التداول. وحتى بعد وفاته عام ٢٠١٥، لا تزال تعاليمه تُشكّل أكاديميات التداول والمجتمعات الإلكترونية حول العالم.
لعلّ أشهر مفهوم طرحه دوغلاس هو ما أسماه "فجوة الربح" - الفرق بين الأداء النظري لاستراتيجية التداول والنتائج الفعلية التي يحققها المتداول. وأوضح أن هذه الفجوة نادرًا ما تكون ناجمة عن عيوب في النظام نفسه، بل عن نفسية المتداول.
من الأمثلة البارزة التي يُستشهد بها كثيرًا كيف يُحقق المتداولون الذين يستخدمون استراتيجيات متطابقة، حتى داخل المؤسسة نفسها، نتائج مختلفة اختلافًا جذريًا. بيّن دوغلاس أن المتغير لم يكن النظام، بل العقلية: الخوف من تفويت الفرصة، أو الخوف من الخسارة، أو الثقة المفرطة بعد الربح. وبتعليم المتداولين قبول العشوائية والتصرف بثبات، أثبت إمكانية سد الفجوة.
لقد حظيت دراسة الحالة هذه باهتمام كبير على مدى عقود من الزمن لأنها تكشف عن حقيقة غير مريحة - وهي أن العقبة الأكبر في التداول غالباً ما تكون المتداولين أنفسهم.
لا تزال تعاليم دوغلاس حيةً في كتبه، بل وفي كلماته الخالدة. من أبرز أفكاره:
" إذا كان هدفك هو التداول كمحترف وتحقيق الفوز المستمر، فيجب أن تبدأ من فرضية أن الحلول موجودة في ذهنك، وليس في السوق."
أي شيء وارد. ليس عليك أن تعرف ما سيحدث لاحقًا لكسب المال.
"عندما تقبل المخاطر بصدق، سوف تشعر بالسلام مع أي نتيجة."
"إن الثبات الذي تبحث عنه موجود في عقلك، وليس في الأسواق."
كل من هذه العبارات تجسد فلسفته: وهي أن إتقان التداول لا يوجد في الرسوم البيانية أو المؤشرات، بل في تنمية العقلية الصحيحة.
غيّر مارك دوغلاس طريقة تعامل المتداولين مع الأسواق المالية بإعادة صياغة ساحة المعركة: فالصراع الأعظم لا يكمن في السوق، بل في الذات. ولا تزال تعاليمه تُلهم جيلاً من المتداولين لإعطاء الأولوية للانضباط، وتقبّل عدم اليقين، والتفكير في الاحتمالات.
في مجالٍ مُهووسٍ بالأنظمة التقنية والبيانات، تُؤكد رسالة دوغلاس الخالدة أن العقل البشري هو الأساس. لكل من يطمح إلى النجاح في التداول، يبقى عمله ليس ذا أهمية فحسب، بل جوهريًا أيضًا - تذكيرًا بأن الإتقان في التداول يبدأ من الداخل.
إخلاء مسؤولية: هذه المادة لأغراض إعلامية عامة فقط، وليست (ولا ينبغي اعتبارها كذلك) نصيحة مالية أو استثمارية أو غيرها من النصائح التي يُعتمد عليها. لا يُمثل أي رأي مُقدم في المادة توصية من EBC أو المؤلف بأن أي استثمار أو ورقة مالية أو معاملة أو استراتيجية استثمارية مُعينة مُناسبة لأي شخص مُحدد.